محمد متولي الشعراوي
4426
تفسير الشعراوى
أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ( من الآية 169 سورة الأعراف ) لقد ورثوا الكتاب ، وفي الكتاب قد أخذ عليهم عهد موثق ألا يقولوا على الله إلا الحق ، لكن هل يعدل الفاسق عن الباطل ويعود إلى الحق ؟ . طبعا لا ، هم إذن تجاهلوا ما في هذا الكتاب ، رغم أنهم قد درسوا ما فيه مصداقا لقوله الحق : وَدَرَسُوا ما فِيهِ وكلمة « درس » تدل على تكرر العمل ، فيقال : « فلان درس الفقه » أي تعلمه تعلما متواصلا ليصير الفقه عنده ملكة . وهو مختلف عمن قرأ الكتاب مرة واحدة ، هنا لا يصبح الفقه عنده ملكة . وحتى نفهم الفرق بين « العلم » و « الملكة » ، نقول : إن العلم هو تلقى المعلومات ، أما من درس المعلومات وطبقها وصارت عنده المسألة آلية ، فهذا هو من امتلك ناصية العلم حتى صار العلم عنده ملكة . إذا التقى صائم - مثلا - بفقيه وسأله عن فتوى في أمر الصيام يجيبه فورا ؛ لأنه علم كل صغيرة وكبيرة في الفقه . لكن إن تسأل تلميذا مبتدئا في الأزهر فقد يرتبك وقد يطلب أن يرجع إلى كتبه ليعثر على الإجابة ؛ لأن الفقه لم يصبح لديه ملكة . والملكة في المعنويات هي مقابل الآلية في الماديات التي تحتاج إلى دربة ، فمن يمسك النول لينسج ويتقن تمرير المكوك بين الفتلتين لا يفعل ذلك إلا عن دربة . إنه قد تعلم ذلك بصعوبة وتكرار تدريب . إذن فقوله : وَدَرَسُوا ما فِيهِ أي تكررت دراسة الكتاب حتى عرفوا ما فيه من علم . ونحن أخذنا « درس العلم » من مسألة حسية هي « درس القمح » ، ويعلم من تربى في الريف كيف ندرس القمح ، حين يدور النورج على سنابل القمح فيخرج لنا الحب من أكمامه ، ويقطع لنا العيدان ، وهذه العملية تسمى « درس القمح » . إن ما فعلوه من عصيان ليس عن غفلة عن هذا الميثاق في ألّا يقولوا على اللّه إلا الحق ، لأنهم درسوا ما في الكتاب المنزل عليهم وهو التوراة دراسة مستوعبة ، لكنهم أخذوا العرض الأدنى . وكان لا بد أن يأتي لنا بمقابل العرض الأدنى فيوضح لنا أنّ مصير من يريد الدار الآخرة هو الثواب الدائم ولذلك يقول الحق :